ابن قيم الجوزية

274

الروح

الحقيقة والمجاز ، فلعل مرادهم دخل جسمي وخرج . لأنه إنما استدللنا بشهادة العقل والفطرة بمعاني هذه الألفاظ ، فكل أحد يشهد عقله وحسه بأنه هو الذي دخل وخرج وانتقل ، لا مجرد بدنه ، فشهادة الحس والعقل بمعاني هذه الألفاظ وإضافتها إلى الروح أصلا وإلى البدن تبعا من أصدق الشهادات والاعتماد على ذلك لا على مجرد الإطلاق اللفظي . الوجه السابع بعد المائة : أن البدن مركب ومحل لتصرف النفس ، فكان دخول البدن وخروجه وانتقاله جاريا مجرى دخول مركبه من فرسه ودابته ، فلو كانت النفس غير قابلة للدخول والخروج والانتقال والحركة والسكون لكان ذلك بمنزلة دخول مركب الإنسان إلى الدار وخروجه منها دون دخوله هو ، وهذا معلوم البطلان بالضرورة ، وكل أحد يعلم أن نفسه وروحه هي التي دخلت وخرجت وانتقلت وصرفت البدن وجعلته تبعا لها في الدخول والخروج ، فهو لها بالأصل ، وللبدن بالتبع ، لكنه للبدن بالمشاهدة ، والروح بالعلم والعقل . الوجه الثامن بعد المائة : أن النفس لو كانت كما يقوله من يقول أنها عرض لكان الإنسان كل وقت قد يبدل مائة ألف نفس أو أكثر ، والإنسان إنما هو إنسان بروحه ونفسه لا ببدنه ، وكان الإنسان الذي هو الإنسان غير الذي هو قبله وبلحظة وبعده بلحظة ، وهذا من نوع الهوس ، ولو كانت الروح مجردة ، وتعلقها بالبدن بالتدبير فقط لا بالمساكنة والمداخلة لم يمتنع أن ينقطع تعلقها بهذا البدن وتتعلق بغيره ، كما يجوز انقطاع تدبير المدبر لبيت أو مدينة عنها ، ويعلق بتدبير غيرها ، وعلى هذا التدبير فنصير شاكين في أن هذه النفس التي لزيد هي النفس الأولى أو غيرها ؟ وهل زيد هو ذلك الرجل أم غيره ، وعاقل لا يجوز ذلك فلو كانت أو لروح عرضا أو أمرا مجردا لحصل الشك المذكور . الوجه التاسع بعد المائة : أن كل أحد يقطع أن نفسه موصوفة بالعلم والفكر والحب والبغض والرضا والسخط وغيرها من الأحوال النفسانية ، ويعلم أن الموصوف ليس بذلك عرضا من أعراض بدنه ولا جوهرا مجردا منفصلا عن بدنه غير مجاور له ، ويقطع ضرورة بأن هذه إدراكات لأمر داخل في بدنه ، كما يقطع بأنه إذا سمع وأبصر وشم وذاق ولمس وتحرك وسكن فتلك أمور قائمة به مضافة إلى نفسه ، وإن جوهر النفس الذي هو قام به ذلك كله لم يقم بمجرد ولا بعرض ،